ابن عربي
183
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
يمشي بها » ، وأما قوله : « لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » فاعلم أن بصره سبحانه لا يتناهى مبصوراته ، ولا يحجبه عن خلقه حجاب ، وإنما ينكشف لك معنى الحديث لمراجعة ما قررته لك ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فنبه بالشرط على أن العبد لا يشهد رؤية اللّه له حتى يغيب عن صفته ورؤيته ومراقبته لربه ، فكل عبادة تصحبها المراقبة فهي نور من حجب وجهه ينظر العبد منه إلى ربه تعالى ، وينظر اللّه منه إلى عبده ، فإذا كشف للعبد فيها حجاب المراقبة شهد رؤية اللّه سبحانه له ، فانتهاء بصره عبارة عن انتهائه بحسب كشف العبد وشهوده ، لا بحسب نفسه ، فإنه لا انتهاء له ، أو خلقه هو صفة العبد ، ورؤيته وإحراقه هو محوه بثبوت صفة الرب للعبد ، وصفة الرب ورؤيته هي سبحة « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » - [ أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الراحلة حيث توجهت ] رقيقة - أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الراحلة حيث توجهت ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كله وجه بلا قفا ، فإنه قال صلّى اللّه عليه وسلم إني أراكم من خلف ظهري ، فأثبت الرؤية لحاله ومقامه فثبتت الوجهية له ، وذكر الخلف والظهر لبشريته ، فإنهم ما يرون رؤيته ، ويرون خلفه وظهره ، ومن كانت هذه حاله فحيث كانت القبلة فهو مواجهها ، فما أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قط على راحلته حيث توجهت إلا والقبلة في وجهه « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » فمن كان وجها كله يستقبل ربه بذاته ، ووجه اللّه للمصلي إنما هو في قبلته ودل على أن من حاله هذا الوصف ويرى القبلة بعين منه تكون في الجهة التي تليها فهو مصل للقبلة ، واللّه جل جلاله عن التقييد فهو قبلة القلوب « إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » قال تعالى : « رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » وهو الواسع لكل شيء ولهذا الاتساع هو لا يكرر شيئا في الوجود ، فإن الممكنات لا نهاية لها ، فأمثال توجد دنيا وآخرة على الدوام وأحوال تظهر ، وقد وسع كرسيه وهو علمه السماوات والأرض ، ووسعت رحمته علمه والسماوات والأرض وما ثم إلا سماء وأرض فإنه ما ثم إلا أعلى وأسفل ، فلا تكرار في الوجود ، وإن خفي في الشهود ، فذلك لوجود الأمثال ، ولا يعرفه إلا الرجال ، لو تكرر لضاق النطاق ولم يصح الاسم الواسع بالاتفاق ، وبطل كون الممكنات لا تتناهى ، ولم يثبت ما كان به يتباهى ، فإن اللّه واسع على الإطلاق « عَلِيمٌ » بما أوجد عليه خلقه .
--> الجهات ، ونبه أيضا بالمشرق على العلانية لأنه محل الظهور ، وبالمغرب على السر لأنه محل الغيب ،